المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشـرق والغــــــــرب‏!‏


همس الطيف
06-15-2006, 04:20 PM
كثيرة هي الأحداث والوقائع التي يشهدها عالمنا المعاصر والتي تثير سواء بشكل مباشر أو غير مباشر‏,‏ صامت أو معلن‏,‏ هادئ أو صاخب‏,‏ جدلية‏-‏ قديمة وجديدة معا‏-‏ وهي تلك المتعلقة بالشرق والغرب والتي تثار تحت عناوين مختلفة مثل التقليدية والحداثة‏,‏ الأصالة والمعاصرة‏,‏ الأنا والآخر‏,‏ الخصوصية والعالمية‏,‏ وأخيرا استقرت علي الإسلام والغرب‏.‏

ولم تكن واقعة الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها إحدي الصحف الدنماركية وأثارت ما أثارته من مشاعر غضب واحتجاج اجتاحت العديد من العواصم العربية والإسلامية‏,‏ إلا واحدة من ضمن المئات‏,‏ إن لم تكن الآلاف من الوقائع‏,‏ التي تفضي إلي نفس المعني‏,‏ وهو العجز عن التواصل والتعايش بين ثقافات وديانات وحضارات اقتربت وابتعدت حينا‏,‏ أحبت وكرهت حينا آخر‏,‏ تحاربت وتصالحت في لحظات أخري‏,‏ حملها تاريخ طويل امتد لقرون وليس لمجرد عقود قليلة‏.‏ فالتعايش والتصادم بينها كانا سمتين متلازمتين لم تفارقا تلك العلاقة التي حملت‏,‏ ومازالت‏,‏ في طياتها كل أنواع المتناقضات التي ربما تستعصي علي خيال مؤلف واحد مهما بلغت براعته أن يحصيها ويلم بكل جوانبها‏.‏ وبعيدا عن أي واقعة أو حدث بعينه‏,‏ أيا كانت آثاره وتداعياته وتفسيراته الخاصة به‏,‏ فالحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أو تجاهلها هي أننا نعيش في‏'‏ عوالم مختلفة‏'‏ وليس عالم واحد‏,‏ وأن فترات الاقتراب أو الحب أو التصالح‏,‏ لم تكن سوي لحظات استثنائية لم تعرف قواعد ثابتة أو أسسا راسخة تستقر عليها‏.‏

عرفت الحضارة الإسلامية فترات ازدهار وإشراق حفظها لها تراثها الأندلسي وفلاسفة عصر نهضتها من المعتزلة إلي ابن رشد‏,‏ الفيلسوف الإسلامي أو‏'‏ الشارح الأكبر‏'‏ لأعمال ارسطو والفلسفة اليونانية كما يلقب في الجامعات الغربية‏.‏ فكانت المفارقة التاريخية أن لحظات ازدهار تلك الحضارة‏,‏ خاصة بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلادي‏-‏ أو ما يعرف بفترة العصر الوسيط أو العصور الوسطي الأوروبية‏-‏ كانت ذاتها هي لحظات الظلام والاستبداد الديني في أوروبا‏,‏ ثم سارت الحضارة الإسلامية بعد ذلك في منحني آخر هبط بها من الازدهار إلي الأفول ومن التقدم إلي التخلف والاستبداد‏.‏ وكان عصر تدهورها هو نفسه عصر إشراق الحضارة الغربية ونهضتها الكبري التي انتقلت بها من العصور الظلامية الي عصر النور والعلم والحرية والفنون والآداب والإبداع بكافة صوره‏:‏ عصر الصناعة والتكنولوجيا والإنتاج‏,‏ أي عصر الإنجاز والتقدم الإنساني فتربعت علي عرش الحضارات المعاصرة‏.‏ وليس أدل علي تلك المفارقة التاريخية مما خطه المؤرخ العربي الشهير عبد الرحمن الجبرتي عند أول تلاق بين الحضارتين بعد تبادل المواقع إبان الحملة الفرنسية علي مصر في القرن الثامن عشر من وصف دقيق لعمق الصدمة الحضارية‏.‏

واصلت الحضارة الغربية تقدمها مخلفة وراءها كثيرا من الحضارات والثقافات الأخري في حالة سباق غير متكافئ‏,‏ بل وموجع في كثير من جوانبه‏,‏ سواء المادية أو الثقافية‏.‏ وتراوحت ردود الأفعال بين الرفض والقبول‏,‏ والتواصل والانقطاع‏.‏ ولكن في جميع الأحوال ظلت تلك العلاقة وما تعكسه من فجوة حضارية بتعقيداتها السياسية والثقافية‏,‏ هي المعضلة الحقيقية ربما الي يومنا هذا‏.‏ ويصف د‏.‏ زكي نجيب محمود المفكر المصري البارز في كتابه‏'‏ هذا العصر وثقافته‏'‏ تلك المعضلة بقوله‏'‏ لقد أخذ الأوروبيون يقرأون كتاب الطبيعة المفتوح‏,‏ علي ضوء المنهج العلمي المؤدي حتما إلي نتائج عليه في حياة الناس‏,‏ بينما أخذنا نحن خلال تلك الفترة نقرأ صحائف الأقدمين‏,‏ نحفظها حفظا‏,‏ ونشرحها ونشرح شروحها ونكتب عنها الهوامش‏,‏ ثم نشرح هذه الهوامش في هوامش‏..‏ إلي آخر هذا الجهد الشاق الذي يبدأ بالورق وينتهي بالورق‏,'‏ إنها ببساطة أزمة الإنجاز في المجتمعات التي تخلفت عن ركب التقدم‏!.‏ ومنذ ما يقرب من ثلاثة قرون‏,‏ كانت تلك الفجوة هي القضية الكبري التي أضحت البعثات الدراسية والتعليمية والثقافية عموما إلي أوروبا هي أحد مظاهرها البارزة فكانت الجهود الحثيثة نحو التحديث بمضمونه الشامل المادي والثقافي هو مشروع النهضة العربية الإسلامية المعاصرة‏,‏ والذي كان رفاعة الطهطاوي أحد رواده الكبار في ذلك العصر بعدما وضع عمله القيم‏'‏ تخليص الإبريز في تلخيص باريز‏'.‏

ولم تكن قضية‏'‏ الشرق والغرب‏'‏ قاصرة فقط علي اهتمام المفكرين والفلاسفة والسياسيين‏,‏ بل كانت أيضا محورا رئيسيا في أعمال الروائيين والمبدعين من كافة المجالات‏,‏ وكانت الرواية في مقدمة تلك الأعمال الساعية لتحقيق المصالحة المفقودة بين عالم‏'‏ جديد‏'‏وآخر‏'‏ قديم‏'.‏ وللرواية أثر بالغ علي الثقافة العربية عموما لقدرتها بأكثر من الكتابات السياسية‏-‏ علي النفاذ بعمق الي صلب العملية الاجتماعية في حركتها‏,‏ تطورها‏,‏ تعقيداتها‏,‏ وفي تقدمها أو تراجعها‏.‏ ولذا تبقي معانيها ودلالتها محفورة في ذاكرة المجتمع‏.‏

كان الروائيون الأوائل أغلبهم من طلاب العلم في أوروبا‏,‏ أي ممن احتكوا مباشرة بالثقافة الغربية‏.‏ ولم تكن معالجة تلك العلاقة المتداخلة سياسيا وثقافيا وحضاريا بين الشرق والغرب‏,‏ بالأمر السهل بالطبع أو ذات إجابة واحدة دائما‏,‏ بل إن المنحنيات التي مرت بها الرواية العربية كانت ذاتها انعكاسا للمنحنيات التي مرت بها تلك العلاقة ذاتها‏.‏ فمنها من جسدها خلال الثنائيات الحادة أو المتناقضات التي قسمتها تقليديا بين شرق‏'‏ روحاني‏'‏ وغرب‏'‏ مادي‏',‏ والتي جعلت الالتقاء بين العالمين لقاء شبه مستحيل‏.'‏فهما لا يلتقيان‏,‏ أو لا يلتقيان إلا ليفترقا‏'‏ فالحكم هنا علي ثقافة الغرب وقيمه كان فقط من خلال قيم الشرق ليسود‏'‏ المطلق‏'‏ ويستعصي الحل‏..‏ ومنها علي العكس من قارب وصالح بينهما دون معاناة وبين هذين الموقفين‏.‏ كان هناك من يقبل بجوهر الحضارة الغربية وثقافتها الإنسانية الراقية وإن ظل علي رفضه لوجهها السياسي المتقلب‏.‏ ففي روايتها‏'‏ ومر صيف‏'‏ جسدت الروائية السورية كوليت خوري عمق تلك الأزمة‏.‏ فعلي الرغم من إدراك شخوص الرواية لتخلف مجتمعها‏,‏ والذي يدفعها للهرب منه إلي الغرب الحضاري إلا أنها لا تقوي علي التعايش معه والاندماج فيه‏,‏ فتعود إلي وطنها الأصلي‏,‏ ولكنها عندما تعود لا تجد في نفسها القدرة الخلاقة أو الشجاعة علي تغيير مجتمعها أو تحديثه‏,‏ فتتواري أو تتراجع لتظل الأزمة عالقة‏.‏ أما في‏'‏ الربيع والخريف‏'‏ للروائي السوري‏-‏ أيضا‏-‏ حنا مينا فيري‏'‏أن أي لقاء بين حضارة متخلفة وأخري متقدمة لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا تخلص المتخلف من تخلفه ولحق بالمتقدم‏'‏ فعنده يعود بطل الرواية إلي أرض الوطن بعد أن أدرك ماهية النضال الحقيقي الذي لا يكون إلا علي أرض الوطن ومن أجله‏',‏ وهو تقريبا نفس المعني الذي جسده الروائي السوداني الطيب صالح في روايته المتميزة‏'‏ موسم الهجرة إلي الشمال‏'‏ التي تطرح بشكل غير مباشر أسئلة كثيرة‏,‏ ربما ما زلنا نرددها حتي الآن‏..‏ هل تترك الثقافة العربية ذاتها هل تذوب في الحضارة الغربية هل تنكفئ علي ذاتها أم تنفتح علي غيرها وإذا كان الخيار الأخير هو المرجح‏,‏ فكيف؟

وتثار نفس الأسئلة عند الروائي المصري بهاء طاهر ففي‏'‏ بالأمس حلمت بك‏'‏ استحال التلاقي‏,‏ ولكنه يعود في‏'‏ الحب في المنفي‏'‏ ليتخلص من نظرته الأحادية الأولي‏,‏ فمساحة‏'‏ المطلق‏'‏ تقل وتتسع في المقابل مساحة‏'‏ النسبي‏'.‏ ففي الغرب تتجسد بوضوح قيم النزاهة والعدل والحب والحرية‏,‏ فيتلمس الوجه المشرق فيه رغم رفضه للوجه المقابل أي السياسي الذي لا يراه علي هذا النحو‏.‏ أما الشرق فعلي جماله‏-‏ بالنسبة له‏-‏ إلا أنه لا يركن لمجرد تجميل وجه القائم دون الغوص في جوانبه السلبية التي ينشد الخلاص منها‏.‏

والواقع أن أروع ما خطته الرواية العربية بخصوص تلك العلاقة‏,‏ لا يقتصر بالطبع علي أعمال الروائيين المحدثين‏,‏ فقد كان للسابقين من ابناء الحقبة الليبرالية الأولي إسهاماتهم وإبداعاتهم المتميزة التي لا تمحي‏,‏ من‏'‏ الأيام‏'‏ لطه حسين إلي‏'‏ عصفور من الشرق‏'‏ لتوفيق الحكيم‏,‏ و‏'‏قنديل أم هاشم‏'‏ ليحي حقي‏,‏ وغيرها كثير من الأعمال القيمة‏.‏ رحلة طويلة وإبحار نحو شاطئ تتلاقي عنده أمواج الشرق بالغرب لكنها لا تصالح بينهما إلا بعد أن تتم المصالحة مع الذات أولا‏.‏ فالبطل‏'‏ المنقذ‏'‏ أو‏'‏ المخلص‏'(‏ في قنديل أم هاشم‏)‏ الذي ينهل من ثقافة الغرب لا يحقق آماله في نهضة مجتمعه بالتعالي عليه‏,‏ وإنما بحسه العميق لواقع ذلك المجتمع الذي يريد تغييره‏,‏ ليس‏'‏ بالصدمة‏'‏ وإنما بالفهم والحب‏.‏ فتتحقق المعادلة ليصبح‏,'‏ منقذا‏'‏ أو‏'‏ مخلصا‏'‏ بمعني جديد يحترم العلم والعقل والعاطفة معا وليس بالمعني القديم الذي جسد تلك الصورة‏(‏ أي صورة المنقذ والمخلص‏)‏ من خلال‏'‏ الخرافة‏'‏ أو‏'‏ الجهل‏',‏ أو‏'‏ القسوة‏'.‏

إن أسباب التقدم والتخلف ستظل كامنة فينا‏,‏ ولكنها تحتاج إلي الأخذ بجوهر الأشياء وليس مجرد تجميل الصورة والاعتراف بنسبية الأفكار والقيم والمفاهيم‏.‏ فالاحتكام إلي المطلقات يؤدي حتما إلي الصدام فمفاهيم الحرية والديمقراطية‏,‏ والفردية‏,‏ والحقوق المدنية‏,‏ واحترام القانون وعشرات أخري من المفاهيم تخضع لمعايير كثيرة تبعا لمنظومة القيم والتاريخ والأعراف والخبرة والتجربة‏.‏ وهي لا شك تختلف من مجتمع إلي آخر ومن ثقافة وحضارة إلي أخري ولكن هذا الواقع لا يجب أن يخلق حاجزا أو حائطا يفصل بين‏'‏ عوالم‏'‏ هذا العالم الكبير الذي نعيش فيه‏,‏ بل علي العكس يجب أن يكون دافعا لتخطيه وتجاوزه‏.‏ فمراحل الانتقال والتغيير قد تكون صعبة‏,‏ ولكنها ليست بالمستحيلة‏,‏ فقبل أن يصل بطل رواية يحي حقي إلي معادلة التعايش الصحيحة يمر بتلك اللحظات الصعبة‏.‏ ففي أحد فصول الرواية‏,‏ يجسد حقي تلك اللحظة الدقيقة للتغيير في حياة الإنسان والتي قد تقترب من مثيلاتها عند المجتمع من خلال ذلك الحوار الرائع بين البطل الشرقي وصديقته الأوروبية والذي يقول فيه‏'..‏ يكلمها عن الزواج فتكلمه عن الحب‏,‏ يحدثها عن المستقبل فتحدثه عن حاضر اللحظة‏,‏ إن أخشي ما تخشاه هي القيود وأخشي ما يخشاه هو الحرية‏..'.‏د‏.‏ هـــــالة مصطـفي