المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحرار أم مقيدون؟


همس الطيف
07-16-2006, 10:04 PM
هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ هذا السؤال الكبير والقديم ليس من نمط الأسئلة الذى يستطيع المرء إجابته إجابة حاسمة، تُنهى قلقه الفكري، وتُنهى معه الحاجة إلى الاستمرار فى "السؤال"، وإلى الاستمرار فى البحث عن "الجواب". هذا السؤال لم يأتِ من فراغ، بل ولَّدته حاجة الإنسان إلى معرفة واختبار "حدود الإرادة الحرَّة" لديه، فعجْز الإنسان، المُثْبَت والمؤكَّد، عن أنْ يكون حرَّاً فى كل أفعاله وأعماله، أى عجزه عن أنْ يفعل كل ما يريد، وكل ما يرغب فى فعله، هو الذى حمله على إثارة المسألة.
وأحسب أنَّ الفهم الخاطئ لمعنى "الحرِّية"، أو "حرِّية الإرادة الإنسانية"، قد خلق عقبات فكرية عديدة فى طريق البحث عن جواب للسؤال، أو عن حل مرضٍ لهذه المشكلة التى ما زالت تؤرِّقنا منذ زمن طويل، والتى ما زالت تؤثِّر تأثيرا قويا وجليِّا حتى فى حياتنا اليومية، فنحن ما إنْ تحل بنا مصيبة، كان ممكنا اجتنابها ودرؤها، حتى نعزِّى أنفسنا بقول مِنْ قبيل "كانت قضاءً وقدراً".
"كل شيء مكتوب"، و"لا مهرب مِنَ المكتوب"، فسائق السيَّارة، فى تهوُّر وطيش ونزق، صدم بسيَّارته طفلا، فقتله. ولكنه بدعوى أنَّ "كل شيء مكتوب"، وأنَّ الحادث مِنْ صنع "القضاء والقدر"، يفلت مِنَ العقوبة التى يستحق.
نحن "أحرار"، ونحن "مقيَّدون"، فى الوقت نفسه. ولسوف نستمر فى هذه الحال المتناقضة إلى الأبد، وليس مِنْ معنى للحرية، أى "حرِّية الإرادة الإنسانية"، إلا إذا فهمناها على أنَّها "ثمرة وعى الضرورة -الطبيعية والتاريخية-".
هل أنا حرٌّ فى تحضير كوب مِنَ الشاي؟ الإجابة هى "نعم" و"لا" فى الوقت نفسه، فأنا، ومهما كنتُ حرَّاً، لا أستطيع أنْ أُحضِّر كوبا مِنَ الشاى إذا ما "رفض" الماء أنْ يغلى عند تعرُّضه للتسخين، أو إذا ما "رفضت" مادة الشاى أنْ تنحل فى الماء المغلي.
إننى أستطيع أنْ أفعل ما أريد، أى أنْ أكون حرَّاً فى أفعالى وأعمالي، إذا ما أخذتُ بالأسباب، ووعيتُ "الضرورة -الطبيعية والتاريخية-" الكامنة فى الفعل الذى أريد، فالفعل، فى حياتنا الاجتماعية والتاريخية، نصفان: نصفه منِّى -مِنْ وعيى وإرادتي..- ونصفه مِنَ "الواقع وقوانينه الموضوعية"، وينبغى للنصف "الذاتي" أنْ يطابق ويوافق النصف "الموضوعي" وإلا ذَهَبَتْ التطورات بالتوقُّعات، وحبط سعينا.
ويكفى أنْ نستمسك بهذا الفهم حتى ننتقل إلى "السؤال السليم".. "هل نجرؤ على النجاح؟"، و"كيف ندرأ عن أنفسنا هذه الكارثة المحدقة بنا؟"، فالتاريخ ليس بالشيء المصنوع سلفاً. إنَّه شيء قيْد الصنع. أمَّا "القضاء والقدر" فليس بالمشجب حتى نعلِّق عليه فشلنا وهزائمنا ومصائبنا!
كل الجهد التأويلى الذى بُذِل ويُبذل لم ينجح، ولن ينجح، فى التوفيق بين "التسيير" و"التخيير". ونوضِّح ذلك فى المثال الآتي: فى هذا المكان، وفى هذا الزمان، سوَّلت لى نفسى "الأمَّارة بالسوء" الإتيان بـ "فاحشة". و"الفاحشة"، أى القبيح الشنيع مِنْ قول أو فعل، تُغْضِبُ "الخالِق"، الذى سيُعاقبنى على هذا الذنب الذى اقْتَرَفْت "يوم الحساب". سيُعاقبني؛ لأنَّنى خالفْتُ ما نهانى عنه، فـ "الخالِق" حرَّم الفواحش ما ظَهَر منها وما بَطَن.
والسؤال الذى يُوَلِّدَهُ هذا المثال، والذى ينبغى لهم إجابته، هو الآتي: هل أنَّنى "فاجأتُ" الخالِق إذ أتيتُ بهذه "الفاحشة"؟ إنَّكَ لا "تُفاجئني" إذا أنتَ أتيْتَ بفعلٍ كنتُ "أَتَوَقَّع" أنْ تأتى به، أو كنتُ "أَعْلَمُ عِلْمَ اليقين" أنَّكَ ستأتى به فى هذا المكان، وفى هذا الزمان. ولا ريب فى أنَّ "الخالِق" كان "يَعْلَم عِلْم اليقين" أنَّنى سأرتكبُ هذا "الذنب" منذ "الأزل"، أى قَبْلَ خَلْقي، وقَبْلَ خَلْق السماوات والأرض، فإنَّ مِنْ صفاته "العليم"، و"علاَّم الغيوب"، فهو العالِمُ بما كان وما يكونُ قَبْلَ كَوْنِه، وبِمَا يكونُ ولَمَّا يكُنْ، قَبْل أنْ يكون. وهو لم يَزَل عالِماً ولا يَزالُ عالماً بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافيةٌ فى الأرض ولا فى السماء، أحاطَ عِلْمُه بجميع الأشياء، باطِنِها وظاهرِها، دقيقِها وجليلِها. إنَّ إتيانى بتلك "الفاحشة" كان فى عِلْمِهِ منذ الأزل. وأنا، فى ذلك المكان، وفى ذلك الزمان، أى حيث أتيتُ بـ "الفاحشة"، ليس فى وسعى أنْ آتى بما يُخالِف هذا "المعلوم"، فمخالَفَة ما نهانى "الخالِق" عنه، أى إتيانى بتلك "الفاحشة"، هى كل ما فى وسعى أنْ أفْعل.
لقد أرَدَتُ الاتيان بتلك "الفاحشة"، فهل أملكُ مِنْ "حرِّية الإرادة" ما يمكِّننى مِنْ أنْ أريد غير ما أراده "الخالِق"، أو ما يُخِالِف ويضاد إرادته؟! إنَّنى لا أستطيع أنْ أكون "مؤمناً" إلا إذا آمنتُ بأنَّنى لا أستطيع أنْ أُريد إلا ما أَرادهُ "الخالِق".
إتيانى بتلك "الفاحشة" إنَّما كان فى "عِلْمِهِ" منذ "الأزل"، كما كان مِنْ "إرادته"، فليس لـ "المخلوق" أنْ يريد شيئاً لم يُرِدْهُ "الخالِق"، أو يُخالِف إرادته ويعارضها. حتى تمرُّد "إبليس" على "الخالِق" كان فى عِلْم "الخالِق" ومِنْ إرادته، ولو شاء "الخالِق" لظلَّ "إبليس" على طاعته له.
وغنى عن البيان أنَّ إدراج "الفاحشة" التى ارْتَكَبْت فى "عِلْم" و"إرادة" الخالِق يعنى أنَّ إتيانى بها هو "أمرٌ قرَّره الخالِق"، وليس لى أنْ أُخالِفَ، فى قولى وفعلي، وفى كل ما يدور فى خلدي، "قرار" الخالِق، فأنا كنهرٍ لا يملكُ تغييراً لمجراه.
وهذا "القرار الإلهي" هو ما يسمَّى "القضاء والقدر". وعلى كل مِنْ يؤمن بـ "القضاء والقدر" أنْ يؤمِن، أيضاً، بأنَّ "إرادته الحرَّة" هى جزء لا يتجزأ مِنْ هذا "النظام الإلهي"، أى مِنَ "القضاء والقدر". ويكفى أنْ نؤمن بأنَّ "إرادتنا الحرَّة" جزء لا يتجزأ مِنَ "القضاء والقدر" حتى ينتفى "التخيير"، ويسود "التسيير" سيادة مطلقة.
فى دفاعهم عن "التخيير"، يأتون بالمثال الآتي: أنتَ تَعْرِفُ ابنكَ جيِّداً، و"تتوقَّع"، بالتالي، أنْ يأتى بفاحشة الزِّني"، فيأتى بها. أنتَ لم تكرهه أو تجبره على الزِّني. أنتَ كنتَ "تتوقَّع"؛ لأنَّكَ كنتَ "تَعْلَم" الحقائق السلوكية لدى ابنكَ.
فى هذه الطريقة يحاوِلونَ إقناعِكَ بأنَّ "الخالِق" يَعْلَم، منذ الأزل، الفواحش التى سنأتى بها، ولكنَّ عِلْمَهُ هذا لا يعنى أنَّه قد أكرهنا أو أجبرنا على الاتيان بها. هذه المحاوَلة لا بدَّ لها مِنْ أنْ تفشل؛ لأنَّ أصحابها لن ينجحوا فى أنْ يجيبوا إجابة مقنعة عن السؤال الآتي: إذا كان "الخالِق" يَعْلَمُ عِلْم اليقين، منذ الأزل، أنَّنى سأرتكبُ هذا الذنب، فهل أستطيع أنْ أمنع نفسى مِنْ ارتكابه؟!
المثال الذى جاؤوا به ليس بالمثال الموفَّق، فهذا الابن قد يُفاجئ والده، أى قد يمتنع عن الزِّني، ويَذْهَب، بالتالي، بـ "توقُّع" والده. ولكنَّ الإنسان لا يستطيع، أبداً، الاتيان بما يذهب بـ "توقُّع" الخالِق، أو يُخالِف "عِلْمَهُ".
و"خالِقُ كل شيء" لا يمكن أنْ يكون خالِقاً لـ "الخير" و"الأخيار" فحسب، فهو يجب أنْ يكون، أيضاً، خالقاً لـ "الشرِّ" و"الأشرار"، ولكل ما يأتى به البشر مِنْ فواحش.
ويقولون أيضاً: إنَّ الإنسان قد يفعل ما لا "يرضي" الخالق، أى ما يُغْضب الخالِق، ولكنَّه لا يستطيع أبداً أنْ يفعل ما يُخالِف "مشيئة" الخالِق، فالخالق أعطانا "الحرِّية فى عصيانه"، ولكنَّه لم يُعْطِنا "الحرِّية فى أنْ نعلو على مشيئته -إرادته-"، فـ "مشيئتنا ضمن مشيئته".
هذا هو "اللغو" بعينه. إنَّ إتيانى بـ "فاحشة" كان بـ "مشيئتي"، أى بـ "إرادتي". و"مشيئتي"، مهما كانت، لا بدَّ لها مِنْ أنْ تكون "ضمن مشيئة الخالِق"؛ لأنَّ غير ذلك معناه أنَّ لديَّ "الحرية فى أنْ أعلو على مشيئة الخالِق"، وأنَّ الخالِق ليس بـ "خالِقٍ لكل شيء"، فهو خالِق، فحسب، لكل ما يُعدُّ "خيراً"، بحسب المعايير الدينية.
إنَّ مشكلة "التسيير والتخيير" لا تُحل بقول مِنْ قبيل إنَّ الخالِق قد خَلَق للإنسان "عقلاً" حتى يُميِّز به "الصواب" مِنَ "الخطأ"، و"الخير" مِنَ "الشرِّ"، و"الحق" مِنَ "الباطل"، وأرْسَلَ الأنبياء والرُسُل مُبشِّرين ومُنْذرين حتى يَعْرِف الإنسان "الحلال" مِنَ "الحرام"، وما "يرضي" الخالِق مِمَّا "يغضبه".
هذا القول لا يحل تلك المشكلة؛ لأنَّ الإنسان ليس حرَّاً فى "المفاضَلة"، فـ "مفاضلته" ستنتهي، دائماً، إلى أنْ يشاء ما شاء الخالِق، فمشيئته ستظل ضمن مشيئة الخالِق، ولن تعلو عليها، أو تُخالِفها، أبداً، فالخالِق لا "يَعْلَم" فحسب، وإنَّما "يُريدُ ما يَعْلَم".
والخالِق لا "يُريد" فحسب، وإنَّما "يفعل ما يُريد". إنَّ الخالِق هو الذى "خَلَقَ كل شيء".. وهو، بالتالي، الذى خَلَق "إرادة" البشر و"أفعالهم جميعاً".
قد ترمي، ولكنْ ما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الخالِق رمي. هنا يكمن لغز "القضاء والقدر"، وهنا يكمن حله أيضاً، فالإنسان يفعل ما يشاء، ولكنَّ "مشيئته ضمن مشيئة الخالِق"، لا تنفصل عنها، ولا تعلوها، أبداً.
هذا هو "التسيير والتخيير" فى معناه الديني، فهل مِنْ معنى "لا ديني" له؟ لنتخيَّل أنَّ لدينا ذرَّات أُوكسجين "مفكِّرة"، وأنَّ ثلاثاً منها "أرادت" أنْ تتَّحِد لتؤلِّف، باتِّحادها، "جزيء ماء"، فهل تأتى "نتائج" فعلها متَّفِقة مع ما "أرادت"؟ الجواب هو: ستفشل، حتماً، فى "فِعْلِ ما تريد"، فتكوين "جزيء الماء" يحتاج إلى ما هو أهم بكثير مِنْ "إرادتها". إنَّه يحتاج إلى أنْ تتَّحِد كل ذرَّة مِنْ ذرَّات الأُوكسجين الثلاث مع ذرَّتى هيدروجين. أمَّا لو "ارادت" ذرَّات الأُوكسجين الثلاث أنْ تتَّحِد لتؤلِّف، باتِّحادها، غاز "الأُوزون" فسوف تأتى "نتائج" فعلها متَّفِقة تماماً مع ما "أرادت".
على هذا النحو فحسب يمكننا، وينبغى لنا، فهم "إرادة" الإنسان و"نتائج" الفعل الذى أراد، فـ "حرِّية الإرادة الإنسانية" لا تَظْهَر وتتأكَّد، ولا تقوم لها قائمة، إلا عندما تأتى "النتيجة"، أى "نتيجة الفعل الإنساني"، متَّفِقَة مع "التوقُّع"، أى عندما تأتى "نتيجة الفعل الذى أرَدَت" متَّفِقَة مع "ما أرَدَت".
عباس بن فرناس رغب فى الطيران كالطيور وأراده، فحاوَل، ولكنَّ محاولته باءت بالفشل، كما فشلت ذرَّات الأُوكسجين الثلاث "المفكِّرة" فى أنْ تصنع، باتِّحادها، "جزيء ماء". ولم ينجح البشر حيث فشل عباس بن فرناس إلا عندما اكتشفوا القانون الطبيعى للطيران، فصنعوا، بما يتَّفق معه، وسائل الطيران. "الحرِّية" هى أنْ "أفعل" ما "أُريد"، وأنْ يتمخَّض فعلى هذا عن "النتائج التى أُريد وأتوقَّع". قد أُريد، أو أَرْغب في، اجتياز هذا النهر. ولكن هذا "العامل الذاتي" لا يكفي، وحده، لحل مشكلة "الحرِّية"، فما نيل المطالب بالتمني.
ينبغى لى أنْ أبدأ "الفعل"، وهو عبور النهر. قد أُريد، أو أرغب في، اجتيازه "مشياً على الأقدام"، فهل أنجح؟ كلاَّ، لن أنجح، فإذا أنا حاولت فسوف أَغرق. فشل هذه المحاولة سيقنعنى بأنَّنى لستُ "حرَّاً" بَعْد، فإرادة الإنسان وحدها لا تكفى لجعله قادراً على إنجاز مهمة ما، أو عمل ما، ولجعله، بالتالي، يشعر بأنَّه "حرٌّ". لاجتياز النهر، ينبغى لى -وعبارة "ينبغى لي" فيها معنى "الاضطرار" وليس فيها نزر مِنْ معنى "الاختيار"- أنْ أتعلَّم السباحة، أو أنْ اتَّخِذَ شيئاً -جذع شجرة- وسيلةً لاجتياز النهر. وقد أصنع زورقاً مِنْ أجل ذلك. ما معنى هذا؟ معناه أنَّ ثمَّة "قوانين"، لم أخلقها لا أنا ولا البشر، لا بدَّ لي، أوَّلاً، مِنْ اكتشافها ومعرفتها. وبَعْدَ "وعي" هذه "الضرورة الطبيعية" أبحث عن "الوسائل والطرائق"، التى تسمح لى بـ "السيطرة" على "القانون الطبيعى الموضوعي" فى طريقة تمكِّننى مِنْ اجتياز النهر. وقد ابْتَكِر أو اخْتَرِع بعضاً مِنْ تلك الوسائل والطرائق.
قَبْلَ، ومِنْ أجل أنْ أكون "حرَّاً"، ينبغى لى أنْ "أعى -وأكتشف-" هذا "القانون الموضوعي"، وأنْ أعمل، مِنْ ثمَّ، بما يتَّفِق معه، فأنا "أَخضع له" قَبْلَ ومِنْ أجل أنْ "أُخْضعه لي"، و"أُسيطر عليه". هذا "القانون" لم أخْلقهُ إذ اكتشفته، ولن ألغيه إذ تحكَّمتُ فيه وسيطرتُ عليه.
الآن، والآن فحسب، أستطيع أنْ "أفعل ما أُريد"، أى أستطيع أنْ أكون حرَّاً فى هذا المعنى فحسب، وفى هذه الناحية فحسب. إنَّ "القانون الطبيعي" يشبه وحشاً مفترساً، فإمَّا أنْ يفترسكَ وإمَّا أنْ تروِّضه.
وغنى عن البيان أنَّ ترويضه لا يعنى قتله. "فيضان النهر" كان، قديماً، مِنَ الوحوش المفترسة، فلم ينجح البشر فى ترويض هذا الوحش؛ لأنَّهم لم يعرفوا الطريق القويم إلى ترويضه، فتوهموا أَنَّهم يستطيعون ذلك بـ "قوَّة" بعض "المعتقدات الدينية". وقد ظلَّوا عبيداً للنهر وفيضانه، يَحوِّلون عجزهم عن فهم الفيضان والسيطرة عليه إلى مزيدٍ مِنَ الاعتقاد بالمعجزات، حتى "وعوا" هذه "الضرورة الطبيعية"، وعرفوا كيف يسخِّرونها لهم مِنْ خلال بناء "السدود".
"القانون الطبيعى الموضوعي" نراه، دائماً، فى "نتائج" كل فعل إنساني، أكانت هذه النتائج تنطوى على معنى "النجاح" أم على معنى "الفشل"، فـ "النجاح" هو أنْ تأتى "النتيجة" متَّفِقة مع "التوقُّع". وحتى تأتى "النتيجة" متَّفِقة مع "التوقُّع" لا بدَّ لـ "الفكرة" مِنْ أنْ تُوافِق "الواقع الموضوعي". وهذا التوافق يَظْهَر ويتأكَّد فى حال واحدة فحسب هى أنْ تأتى "النتيجة" متَّفِقة مع "التوقُّع".
أمَّا "الفشل" فمعناه أنْ تذهب "النتيجة" بـ "التوقُّع". على أنَّ هذه "النتيجة السلبية"، أى النتيجة التى رأَيْنا فيها معنى "الفشل"، لم تَظْهَر عرضاً أو مصادفة، فـ "الضرورة الطبيعية -أو القانون الطبيعى الموضوعي-" هى التى جاءت بها، فهذه الضرورة كامنة فى كل أفعالنا، وفى كل ما يتمخَّض عن أفعالنا مِنْ نتائج، أكانت هذه النتائج "نجاحاً" أم "فشلاً" بمعيار "التوقُّع".
مَنْ يَعْلَم "القانون الموضوعي" ويعمل بمقتضاه ينجح، أى يتوصَّل إلى "نتائج" تُوافِق "توقُّعه". ومَنْ يجهل هذا القانون -ولا يعمل، بالتالي، بمفتضاه- يفشل، أى يأتى عمله بـ "نتائج" تذهب بـ "توقُّعه".
وهنا يكمن الفرق الجوهرى بين "الحرِّية" و"العبودية"، بين "التخيير" و"التسيير". و"الحرِّية"، كما "المعرفة"، هى "سلَّم" يصعده الإنسان -البشر- درجة درجة، ولن يصل أبداً إلى نهايته -درجته العليا- لأنْ لا نهاية له.
والإنسان، الذى لا يُوْلَدُ حرَّاً على غير ما يتوهَّم كثيرون، لن يملكَ مِنَ "الحرِّية"، و"المعرفة"، أكثر مِمَّا ورثَ وأنْتَجَ، ولسوف يظل فى صعود أبدى لا نهاية له مِنَ "العبودية" إلى "الحرِّية"، ومِنَ "الجهل" إلى "المعرفة". هذا الإنسان الذى خرجَ توَّاً مِنْ رحم أُمِّه إنَّما هو "العبودية القصوي" و"الجهل الأقصي".
"الضرورة" تكمن فى كل الأشياء والظواهر التى "نراها"، فما نشأ، أو ظَهَرَ، إنَّما هو ما اجتمعت "أسباب" وجوده، فوُجِدَ. أى شيء لا بدَّ له مِنْ أنْ ينشأ ويَظْهَر إذا ما اجتمعت وتهيَّأت أسباب وجوده.
هذه هى "الحتميَّة" التى لا ريب فيها، ولا يُشكِّك فيها إلا كل أعمى بصر وبصيرة. فالشيء الذى كان ينبغى له أنْ يُوْجَد ولكنَّه لم يُوْجَد إنَّما هو الشيء الذى لم يستوفِ أسباب وجوده التى لا يمكننا أنْ نحيط بها كلها عِلْماً، فبعضها اكتشفناه، وبعضها لم نكتشفه بَعْد.
والشيء الذى كان ينبغى له أنْ يُوْجَد ولكنَّه لم يُوْجَد إنَّما هو الشيء الذى أجْهَضَتْهُ "قوى وأسباب طارئة"، نسمِّيها "المصادَفة"، فهذه الشجرة كان ينبغى لها أنْ تُثْمِر عن قريب؛ لأنَّ أسباب إثمارها كادت أنْ تكتمل، ولكنَّها لم تُثْمِر؛ لأنَّ ريحاً عاتية قد اقتلعت جذرها. هذه الريح هى المثال الذى فيه يكمن معنى "المصادَفة".
"قوى المصادَفة"، أى تلك الريح، هى التى حالت بين الشجرة وبين إثمارها الحتمى إذ اقتلعت جذرها. ولكنَّ الريح ذاتها كانت مِنْ نسج "الحتميَّة" ولم تكن مِنْ نسج "المصادَفة"، فقد اجتمعت وتهيَّأت أسباب وجود هذه الريح فوُجِدَت. و"هلاك الشجرة ذاته" مع "الطريقة التى هلكت فيها" هو، أيضاً، مِنْ نسج "الحتميَّة"، فليس مِنْ "واقعة" لا تكمن فيها "الضرورة".
ونفى "الضرورة" إنَّما هو ذاته نفى "العِلْم"، فنفى "الضرورة" يفضي، حتماً، إلى القول بأنَّ "كل شيء ممكن"، فالماء فى غليانه يمكن أنْ يتبخَّر، أو يتجمَّد، أو يتحوَّل إلى معدن الذهب، أو إلى كائن حي. وغليانه ذاته يمكن أنْ يَنْتُجَ مِنْ أى شيء. يمكن أنْ يَنْتُجَ، مثلاً، مِنْ "ثلج" نضعه فى الماء.
كل "واقعة" إنَّما هى "نتيجة"، فليس مِنْ "واقعة" معدومة "الأسباب". وكل "نتيجة" هي، فى الوقت ذاته، "سبب"، فكل "واقعة" تؤثِّر، ولا بدَّ لها مِنْ أنْ تؤثِّر، فى غيرها مِنَ "الوقائع". على أنَّ مبدأ أو قانون "السببية" لا يكتمل معنيً إلا إذا فهمنا الطريقة التى بها تؤثِّر "النتيجة" فى "سببها".
وعلى سبيل التوضيح نقول: فى الاقتصاد، نرى أسعار البضائع والخدمات تزداد ارتفاعاً. وهذه الظاهرة تُدْعى "الغلاء". وبَعْدَ حين، نرى أنَّ الأسعار شرعت تهبط بَعْدَ صعود بلغ نهايته، فليس مِنْ "تزايدٍ" لا نهاية له. فما الذى حوَّل "الغلاء" إلى "رخص"، وجَعَلَ "الأسعار" تهبط بَعْدَ صعود؟ إنَّ هذا "الغلاء"، أو هذا "الارتفاع فى الأسعار"، هو الذى أنْتَج أسباب وعوامل "الرخص"، أو "الهبوط فى الأسعار".
"السعر المرتفع" للبضاعة هو الذى يؤدِّي، حتماً، إلى تضاؤل "الطلب"، وإلى "زيادة العرض"، فـ "الربح العالي"، الذى يتضمنه "السعر العالي"، يشجِّع المستثمِرين على زيادة إنتاج هذه البضاعة الغالية.
نستنتج مِنْ ذلك أنَّ "السعر" لا يمكنه أنْ يرتفع مِنْ غير أنْ يُنْتِجَ ارتفاعه، فى الوقت نفسه، الأسباب المؤدِّية حتماً إلى هبوطه. و"السعر" لا يمكنه أنْ يهبط مِنْ غير أنْ يُنْتِجَ، فى الوقت نفسه، الأسباب المؤدِّية حتماً إلى ارتفاعه، فهذا "الهبوط"، أو "الرخص"، يزيد "الطلب"، ويحمل المستثمِرين على تقليل إنتاج هذه البضاعة الرخيصة.
إنَّ "الغلاء" هو الذى أنْتَجَ ما يلغيه، أى ما يُحوِّلهُ إلى "رخص". وإنَّ "الرخص" هو الذى أنْتَجَ ما يلغيه، أى ما يحوِّلهُ إلى "غلاء".
وهنا يكمن معنى "التطوُّر الذاتي" للشيء، والذى يتأثَّر، إيجاباً أو سلباً، بـ "العامل الخارجي"، فـ "الغلاء" فى حدِّ ذاته يُنْتِجُ، حتماً، ما يؤدِّى إلى إلغائه، أى تحوُّله إلى "رخص". أمَّا "العامل الخارجي" فـ "يُسَهِّل" أو "يُصَعِّب" هذا "العمل" الذى يقوم به "الغلاء" مِنْ تلقاء نفسه.
وأحسب أنَّ "العِلْمِيَّة" فى التفكير والنظر تدعونا إلى فهم الشيء، كل شيء، على أنَّه "المُنْتِج" مِنْ تلقاء نفسه للأسباب المؤدِّية، حتماً، إلى زواله، أى إلى تحوُّله إلى نقيضه.
ينبغى لنا، دائماً، أنْ نحاول معرفة "كيف يؤدِّى الشيء، أى كيف يؤدِّى وجوده ونموِّه وتطوِّره وتفاعُلِه مع غيره، إلى ما يلغيه"، فلو أنَّكَ، على سبيل المثال، حاولتَ معرفة الأسباب التى أدَّت، حتماً، إلى سقوط حجر قَذَفْتَهُ فى الهواء لاكتَشَفْتَ أنَّ الحجر فى ارتفاعه، وبارتفاعه، قد أنْتَجَ أسباب سقوطه، فالحجر ما كان ممكناً أنْ يرتفع مِنْ دون أنْ يُنْتِجَ، فى الوقت نفسه، أسباب سقوطه.